> Frontpage / تأثيرات شرقية في...



مجلة شهريار متوقفة عن الصدور حتى إشعار آخر لأسباب تقنية



تأثيرات شرقية في المسرح الغربي المعاصر ج1

تأثيرات شرقية في المسرح الغربي المعاصر

التوازن القلق بين الشرق والغرب

 

دراسة ماجستير في علوم المسرح

 

هيلينا فرلنت Helena Verlent

2000- 1999

جامعة أنتوربن - بلجيكا

 

إشراف : البرفسور لوك فان دن دريس

Luk Van Den Dries

 

ترجمة: أحمد الركابي

مراجعة: صلاح حسن

تقديم

معرفة الغرب بالتقنيات الشرقية ليست بالحديثة. فحتى في مجال المسرح تم اكتشاف الشرق باعتباره مصدرا للتجديد. أول من تطرق إلى ذلك في بداية القرن العشرين هو انتونين آرتو Artaud.  لاحقا اتبع جيرزي جروتوفسكي Grotoswsui ، يوجينو باربا Barba ، بيتر بروك Brook  وأسماء أخرى في المسرح الغربي خطى آرتو ووجهوا نظرهم إلى الشرق كل حسب طبيعته الشخصية.

ما هي أهمية التأثير الشرقي على المسرح المعاصر وبالذات في بلادنا؟ صحراء  woestijn 93 فرقة مسرحية بجذور شرقية عميقة. حازم كمال الدين مخرج ومدير الفرقة الفني ولد في الشرق، في العراق. ورغم أنه يقدم عروضه المسرحية لجمهور غربي لكنه لم يفقد خلفيته الثقافية الشرقية. في العام الماضي قدمت الفرقة مسرحية عين البلح  في عدد من المسارح و اللا مسارح  البلجيكية والهولندية. لقد استغرق العمل وقتا طويلا وجهدا كبيرا. وعلى الرغم من ذلك لم تخاطب المسرحية جمهورا عريضا ولم تقدم الفرقة عروضها في المسارح الكبرى.

كانت آراء الجمهور متباينة:

ـ كان العرض صعبا !

ـ غريبا !

ـ فوضويا !

ـ لحسن الحظ كانت الموسيقى جميلة !

لكن كانت هناك أيضا ردود فعل إيجابية من قبل البعض الذين فوجئوا وغاروا في أعماق الرموز التي تضمنها العرض.

 كيف ينشأ ويتطور مثل هذا العرض لفرقة مسرحية تنمو جذورها على أرض شرقية وغربية في ذات الوقت؟ وبأي اتجاه تنمو وتتطور؟

سأصطحبكم في رحلة البحث عن أسس بناء العرض .. سأتطرق لكل المراحل لأن كل مرحلة ذات أهمية قائمة بذاتها.. نعم.. سوف أجوب المدن، وأسير في متاهات الصحراء بحثا عن الطريق، الاتجاه.

الاتجاه هو ما أبحث عنه.

في مسرح دائم التطور تتعذر معرفة في ما إذا كنا وصلنا الهدف أم لا. بالنسبة لحازم كمال الدين يجب تركيز الاهتمام لا على النتائج فقط. وإنما على الطريق. النتائج هي تحصيل حاصل.

سوف أتخذ طريقاَ مفتوحا من الشرق إلى الغرب، أو من الغرب إلى الشرق. سوف أتبع طريقاَ يأخذني إلى الشرق والغرب في نفس الوقت. من بين طرق كثيرة أتبعت طريقاَ واحدة اخترتها لسبب مهم: لماذا قام القليل فقط بإرواء ظمأهم من النبع عين البلح ؟ ربما كان الماء ليس عذباَ، أم لأن الطبيعة المحيطة بالنبع لم ترق لهم فعادوا أدراجهم. ربما ضلوا طريقهم في الصحراء ولم يجدهم أحد ولم يلتقوا بأحد.. سنتبع طريق صحراء 93 وسنصل. لكننا سنعاين الطبيعة في طريقنا.

حازم كمال الدين

 

ولد حازم كمال الدين في العراق ودرس المسرح في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ولم يتوقف عن البحث بعد خروجه من العراق. يبحث حازم كمال الدين عن أساليب يؤاخي فيها وبشكل هارموني بين جذوره الشرقية العربية وبين أصول المسرح الغربي الذي تلقى علومه في بغداد وتعرف عليه جيداَ من خلال دراسته للعلوم المسرحية في بلجيكا.

في نفس الوقت يسعى حازم كمال الدين إلى تحدي أصول وتقنيات المسرح، المنهجية المتعارف عليها، من خلال أعماله التجريبية الجريئة. في أعماله التجريبية هذه يصارع حازم كمال الدين تقنيات الحركة والرقص أولاَ والنص ثانياَ. أعمال تجريبية في مرحلة تطور وتطورها يكمن في مزاوجة الفعل الحركي والنص.

لا بد لي من إيضاح ذلك.

حازم كمال الدين يريد أن يبني ويهدم في اللحظة ذاتها. لكن هذا غير ممكن عملياَ لضرورة تعاقب هاتين العمليتين. إنه منشغل دائماَ بالبناء والهدم، التركيب والتفكيك. وذلك هو تقريباَ جوهر عمله. قد يبني أنماطاَ حركية يجعلها تتناقض مع النص أو يلتزم بالنص تاركاَ لجسد الممثل أن يؤلف نصا جديدا يشبه الفعل الحركي المعاكس للنص. في مثل هذه العملية يغيب التعاقب لأن التعاقب هو تجانس وذلك ما يريد هو أن يتجنبه. ويسعى أيضاَ في عمله إلى ايجاد لحظات هارمونية. كل ذلك ( ككل ) الغاية منه أن ينظر المشاهد إلى المسرح برؤية أخرى، أحياناَ عن طريق الأثر الصادم للموافقة بين النص والفعل الحركي علاوة على المضمون الخاص لهذين العنصرين. ونتيجة لذلك يجد المشاهد نفسه وقد انزلق عن الطريق المعهودة لرؤية المسرح إلى طريق جديدة تقوده إلى خبرة مسرحية تحمل صفات شرقية: يتم تفعيل الحواس والروح فتبدأ مشاعر الجمهور هي كذلك تنظر إذا جاز القول، إلى المشهد وتتغلب أحيانا على إدراكه العقلي، الإدراك العقلي الذي أصبح سمة ملازمة لمفهوم الغرب.

من الصعب على الجمهور الغربي أن ينحي الفكر ليترك لتجربة اللحظة أن تتحدث عن نفسها ساعة مشاهدة العرض. وهذه حالة مؤسفة، فليس كل إنسان، كما يرى حازم كمال الدين، يعيش حسب طريقة التفكير الغربية.

خبرته العملية مع ممثليه علمته أن هنالك ثلاث فئات من الناس، فئة تتصرف من منطلق مشاعرها، وفئة ثانية يغلب على سلوكها التفكير العقلاني، وفئة ثالثة تترك للجسد أن يتحدث وتصب اهتمامها على عالم الجسد، وعالم الجسد هذا يشكل جزءا مهما من عالم حازم كمال الدين فعندما يبدأ التمرين على عمل جديد يتوجب على الممثلين دراسة وتعلم تقنيات حركية يراها ضرورية لإنجاز العمل بالشكل المطلوب. ينشغل الممثلون لمدة شهر تقريبا بجسدهم يتعلمون فيه من خلال تمارين حركية محاورة الجسد لتتحول فيما بعد إلى فعل ارتجالي ينشأ بصورة عضوية طبيعية لا إرادية. الجسد وحده يمثل ساعتها لغة الممثل.

وبهذه الطريقة يخضع المشاهد بأحاسيسه وانفعالاته إلى عالم المسرحية ويعيش فيه تجاربه الشخصية وهذا يعني أهمية التفاعل مع الجمهور.

حازم كمال الدين دائم التطور في عمله وكذلك فأن العلاقة بين النص والفعل الحركي علاقة لا تعرف التكامل. هل يمكننا أن نتحدث عن تكامل وجاهزية العرض المسرحي؟ حازم كمال الدين لا يظن ذلك. ومن هنا يأتي حبه للتجريب، لابد من الاستمرار في المحاولة والتمرين فتلك هي خاصية المسرح او الإنسان، حالات انفعالية متغيرة وخبرات جديدة تؤدي إلى صورة جديدة لإنتاج العمل ولمشاهدته من قبل الجمهور. تظل الرغبة في التغيير والتجديد حاضرة حتى بعد انتهاء العرض الأول، عرض العمل من جديد يعني لحازم كمال الدين إعادة النظر في السينوغرافيا وحتى الدراماتورجي.

 أسس المسرح تظل كما هي لكن رغبة البحث تولد التغيير والتجديد، كما طاف هو نفسه بعد خروجه من العراق في بلدان مختلفة وصولا إلى بلجيكا ليتصل ذلك المنفي الباحث والمتشوق إلى التوحد بالوطن الأم. الشوق الذي يعني في نفس الوقت الخوف، الخطر والألم ولكن أيضا المتعة والحب وعنصر المفاجأة. ويظهر ذلك بالتالي على شكل إبداع وتناقضات. يسعى حازم كمال الدين للتوحيد بين ما هو شرقي، عاطفي وحسي وما هو غربي، عقلاني وبصري. التعامل مع الجسد والروح على انهما وحدة واحدة يولد نتائج مشوقة ونفسا جديدا في المسرح المعاصر.

محترف صحراء 93

صحراء 93 فرقة مسرحية غير تقليدية، أعضاؤها متعددو الثقافات تم إنشاؤها من قبل فنانين غير أوربيين. ترغب هذه الفرقة بإدماج المسرح الآخر في المناخ المسرحي البلجيكي عن طريق المؤاخاة بين الشرق والغرب بطريقة أصيلة وثرية في إعمالها المسرحية. مساحة التعددية الثقافية في بلجيكا تشبه في الأصل الصحراء في فقرها تتحول من خلال هذا المضمون الجديد الذي هو المسرح التجديدي إلى عالم غني بالإمكان اكتشافه. كعالم الحكايات الحية التي تمثل سمة شعوب الصحراء.

تم تأسيس الفرقة في عام 1993 إبان الاحتفال باختيار مدينة أنتوربن عاصمة ثقافية لأوربا. كثر الحديث في وقتها عن التعددية الثقافية في المدينة لكنه في الواقع لم يكن الأمر يتعدى أكثر من دعوة المنظمين لفرق أجنبية تمثل ثقافات مختلفة بدل التركيز على مشاركة المغتربين المتواجدين في مدينة أنتوربن  نفسها. في غضون ذلك وإذا نظرنا إلى مهرجان صيف أنتوربن  فلا بد من الاشارة الى ان هناك تحسنا لابأس به اذ كان هناك حضور جيد لمغتربي أنتوربن وأن كانت النتيجة ليست مرضية تماما. لكن لابد من الإشارة إلى أنwoestijn 93  أصبحت فرقة معترفا بها في الوسط الثقافي وستتمتع ابتداءً من عام 2001 بدعم مادي دائم.

من أين تأتي هذه الحاجة إلى إبراز التعددية الثقافية والعرقية المتواجدة في مدينة ما أثناء الاحتفالات والمهرجانات التي تقام في تلك المدينة؟

لأن ذلك يعني شكلا من أشكال الرغبة في التقارب والاندماج وعلامة تقدير واحترام من المواطن الأصلي اتجاه جاره المغترب الذي يمتلك ثقافة وجذورا أخرى وبتاريخ عريض وغني ربما. وبذلك يتم فسح المجال للمغترب أن يساهم في الحياة الثقافية فيلتقي الشرق بالغرب ويفتح كل منهما ذراعيه للآخر. أهمية هذه الرؤية للتعددية الثقافية أنها تولد تداخلا ثقافيا وتبادلا في مجال الفن.

أعضاء محترف صحراء  93 أنفسهم لهم جذورهم المختلفة، وبخلفيات ثقافية ودراسية متنوعة وتحظى تلك الخاصية باهتمام المخرج الذي يرى نفسه كفنان يوحد في ذاته اتجاهات ومدارس مختلفة. إذ كان لابد له هنا كشرقي وعربي أن يوائم نفسه مع القيم والنظم الغربية من أجل البقاء. قاعدته تظل شرقية ولكن ذلك لا يعني أن ينطلق دائما من تلك القاعدة لإنجاز عمل ما. كيف يتم إنجاز عمل ما انطلاقا من وجهتي النظر الشرقية والغربية في الوقت ذاته؟ سنتطرق إلى ذلك في فقرة لاحقة.

سأورد هنا بعضا من السمات المميزة لهذه الفرقة المتعددة الألوان: الحكايات العربية تتخذ مكانا مهما في أعمال هذه الفرقة.

للفعل الحركي أهمية تفوق أهمية النص والتمارين الحركية تتمتع بمكان أثناء التحضير لإنجاز العمل، الغاية من ذلك هي خلق فعل حركي ارتجالي وطبيعي وبذلك يتم وضع أسس العمل.

الفضاء الذي يتم التمرن فيه يشكل جزءا مهما من التمرين وفي تحديد المناخ المسرحي وله دوره الخاص الذي يتطور مع تطور العمل. ليس الأمر سهلا كما قد يبدو لو أخذنا بنظر الاعتبار المواقع التي يتم اختيارها من قبل الفرقة لغرض التمرين. كذلك ترغب الفرقة في عرض أعمالها في أماكن ليست بالضرورة مخصصة للمسرح.

بتغيير المكان يتغير العمل المسرحي حتى بعد انتهاء التمارين والقيام بالعرض الأول وهذا يعني أن العرض المسرحي يظل في حالة تطور مستمرة من الجميل وعلى أساس ذلك اكتشاف القدرة على تطويع العرض المسرحي الذي يظل إلى حد كبير يحتفظ بجوهره.

لو بحثنا وبشكل دقيق فأننا سنجد خيطا من التشابه بين حاجة الفرقة المتطرفة إلى التأقلم على المكان وبين البدو، كما أتخيلهم، يتجمعون في مكان ما في الصحراء لم يتم الاتفاق عليه مسبقا وكيف يبدأ أحدهم بقص حكايته بعد غياب الشمس وقرب النار. تعتمد الفرقة في عملها على مبادئ من المسرحين الشرقي والغربي، هذا التواؤم يولد نتيجة فريدة تسعى إلى ايجاد التفاعل مع المشاهد. تجرؤ المجموعة على اتخاذ وجهة نظر سياسية واضحة في الحرب والمنفى من المواضيع التي تتكرر في أعمال الفرقة.

العمل مع الممثل يأتي في المكان الأول، الممثل الذي لابد له أن يوحد في عمله بين الروح والجسد بتوظيف حواسه.

لابد من الإشارة هنا إلى التطور المستمر للعمل وتقليبه على أنه، ومن خلال الخبرة العملية، أمر يتطلب الكثير من الحذر والدراية والاحتفاظ بالرؤية. على التقليب هذا ان يظل خاضعا لقوانين المنطق: لابد من الاحتفاظ بفكرة العمل وجوهره لكي يظل المشاهد قادرا على استيعاب العمل ومن جهة أخرى فأنه من الضروري أن يكون بإمكان فرقة تعتمد الحواس كواحدة من أهم أسس عملها أن توظف الحدس وتعتمد على الإحساس في تكوين العمل من جديد مع الأخذ بنظر الاعتبار تبعات ذلك حينما يشعر المشاهد بأنه قد ضل الطريق بعد أن فقد الدليل.

عين البلح

يمكننا القول بشكل عام أن العمل المسرحي تم إنجازه على ثلاث مراحل:

1  بناء النص .

2  بناء الفعل .

3  بناء العرض .

تلك هي الطريقة المثلى التي يعمل حازم كمال الدين من خلالها. ذلك إنه هو نفسه دراماتورج كتب ونشر في العراق في سن مبكرة، ونشاطه هذا ككاتب أصبح جزءا مهما من عمل الفرقة وعملية بناء العرض المسرحي. فهو يقوم أحيانا بكتابة النص، أو هو يشرف عليه أو يقوم في حالة أخرى في معالجة نص مكتوب.

أما في ما يتعلق بالفعل  فبإمكاننا القول بأنه قد تعلم أسلوبا يمكنه من تحويل ما يحمل في داخله من عناصر شرقية إلى أنماط حركية واضحة. ومن خلال دراسته في معهد مسرح الحركة وعلم المسرح في جامعة لوفن تمكن حازم كمال الدين من ايجاد لغة يستطيع من خلالها جعل جمهوره يقر بالجسد وبحواسه.

أما المرحلة التجريبية فهي مرحلة فريدة من التداخل والتصادم، التوقف والتأمل والمباشرة من جديد لايجاد الطريقة المناسبة للموالفة بين النص والفعل الحركي. كل عنصر من عناصر العمل في هذه المرحلة له ذات الأهمية التي للعناصر الأخرى من أجل ايجاد ستراتيجية العمل المناسبة التي ستحدد فيما بعد طبيعة العمل المسرحي ذاته. على أن هذه الاستراتيجية تخضع بشكل كبير للحس لأن غاية العرض المسرحي هي بالتالي التأثير على الحالة الباطنية للمشاهد. التواصل الذي لابد من ايجاده بين الجمهور والممثل يرتكز على المشاعر والخبرة النفسية ويهدف إلى نوع من التبادل الذي لابد أن يتم، من جانب آخر فأنه من الضروري أن يكون المشاهد مستجيبا لمثل هذا التبادل وأن لا يركز اهتمامه فقط على التواتر المنطقي لخيوط النص. يجب عليه أن يعيش مع الممثل حالته النفسية وأن لا يكبت خبراته النفسية التي تنشأ بدون شك أثناء العرض

 

 

بناء النص

 

 

أ ـ النص

 

  • الشرق كمصدر:

تم الاعتماد في كتابة عين البلح  على عمل شرقي مهم وهو حكايات ألف ليلة وليلة. شهرزاد الشخصية المحورية في ألف ليلة وليلة تظهر في عين البلح  كظل يأتي من ماض بعيد ويعيش كذلك في الوقت الحاضر. إذ تلعب شهرزاد دور صديقة زمزم  الشخصية الرئيسية في عين البلح  لتحل بالتالي محلها في لعب الدور الرئيسي كأنها الأنا الآخر الذي يتمتع بحياة أبدية وقدرات فوق الطبيعية. تشترك شهرزاد مع الحرب في أبديتها وطبيعتها الإنسانية ومن ذلك جاء اختيار الرجل كطرف مضاد في الثنائية وكرمز في المسرحية للموت والخراب والسلطة. تحارب شهرزاد السلطة القائمة مما يسبب لها الالم والعذاب. تتخلص شهرزاد عن طريق الاستمرار في السرد من الكارثة التي كانت ستحل بها، كما تروي حكايات ألف ليلة وليلة، من قبل الملك الذي كان يرغب في الاستيلاء عليها ليلة واحدة فقط، لينتصر كل من الحب والحياة.

في عين البلح تتحمل شهرزاد بهيأتها الإنسانية زمزم  العذاب والألم وليس لديها ما تخسره لذلك فأن رغبتها الوحيدة هي خلع ردائها الإنساني لنيل الخلود والأبدية.

لا تقص زمزم حكاية ناقصة لكنها تقص مقتطفات من حكايتها التي هي في الحقيقة، كما يتضح أثناء العرض، ليست إلا خيالها ومع مرور الوقت تحاول أن تؤقلم عالمها الحقيقي بالفنطازي. ويتحول الخيال إلى واقع حقيقي إلى درجة استخدامه من قبل البعض كذريعة لقتلها.

عالم الخيال هذا هو واحد من عناصر حازم كمال الدين، هذا العالم الحي الآخر المليء بشخصياته الأسطورية الميثولوجية والذي يعتبر ميزة من ميزات الشرق ومثل هذه العالم يظهر أيضا في الأدب الغربي في الحكايات لكننا نراه واضح الحضور في أدب الأطفال أما في أدب الكبار فحضوره لا يستحق الإشارة. لذلك فأن هذا العالم ليس غريبا جدا على المشاهد الغربي الذي يتوجب عليه حينما يحضر لمشاهدة عمل يسوده هذا العالم الفنطازي أن يعود بذاكرته إلى الوراء إلى زمن الطفولة وان يسمح لنفسه بأن يعود طفلا.

لو تعمقنا أكثر لوجدنا حضور عناصر في العمل تعود إلى الثقافة العربية مثل الوصف والطريقة التي تتخذ فيها القصة منعطفات أخرى. في بعض الحوارات يخضع منطق المحاورة إلى أعراف وتقاليد الثقافة العربية، كذلك هناك بعض الطقوس التي ترد في الحكاية والتي تعتبر طقوسا خاصة بالإسلام وببعض المناطق. مثال مهم على ذلك الطريقة التي يذبح بها الحمل والتي يتم وصفها بطريقة دقيقة وبديهية جدا وبقدرة كبيرة تقترب من روح الفكاهة. كذلك إيقاع النص، التكرار الذي يظهر بكثرة فيه وأهمية الخرافة التي تحدد تقريبا تطور أحداث العرض كلها عناصر شرقية.

إذا نظرنا للأدب الغربي فأننا نجد أن الراوي يتمتع منذ القدم بأهمية كبيرة لإيضاح تطورات القصة. الفرق في عين البلح  أن الراوية تلعب الدور الرئيسي في العرض وتحكي حكايتها من خلال الحدث، بدلا من أن يقتصر دور الراوية على التعليق على الحكاية وإيضاح مجرى الحدث أي أن يكون دورها خارج الحدث نفسه وذلك هو أسلوب الحكاية العربية.

  • الغرب كمصدر:

شكلت إلزا هيب  Ilse Heip والتي شاركت في كتابة النص مصدر إلهام مهم من خلال بحثها ودراستها للأساطير والحكايات المختلفة. إذ وجدت الكثير من نقاط الالتقاء في هذه الأساطير التي تعود لثقافات متنوعة لكننا بالتالي افتقدنا مثل هذه النقاط في النص النهائي الذي استخدم كأساس للعرض فحضور مثل هذه الأساطير في الحكاية الرئيسية لم يكن يشكل أكثر من ظل على الرغم من أن مضمون بعض هذه الأساطير مضمون إنساني كوني ليس حكرا على ثقافة معينة لكنها كما يبدو لم تكن بتلك الأهمية أمام الحكاية الرئيسية المعروفة. وبالذات كان دور العالم الفنطازي الذي يشكل واحدا من معطيات الشرق بارزا ومسيطرا ولا خلاف على ذلك إذ لابد من وضع خيارات في مثل هذه الحالة.

هذا العالم الفنطازي، الذي يتخذ الأسلوب ذاته كما في حكايات ألف ليلة وليلة تحول إلى حكاية تم الربط بينها وبين العنف كسلوك يومي ومن ثم إبراز علاقة ذلك مع الطب النفسي والرؤية الكلاسيكية ( ميشيل فوكو ) للطب النفسي على أنه نوع من العقاب.

فيما يتعلق بالعنف فقد تم الرجوع إلى مصادر مختلفة مثل أفلام العنف أو حتى أفلام يظهر فيها العنف هنا وهناك مثل أفلام  Pulp Fiction و  Reservoir Dogs للمخرج تارنتينو  Tarantino . كذلك تمت الإشارة، فيما يتعلق بالطب النفسي، أثناء عمل الدعاية للعرض المسرحي إلى قصة وقعت في كوسوفو، من البديهي القول أن مثل تلك الإشارة ليست إلا عودة إلى التاريخ الذي يعلمنا كيف يتعامل رجل السلطة مع الخارجين عليها بزجهم في مستشفيات المجانين غرض إسكاتهم، لم يكن ذلك هو مصير الخارجين على السلطة فقط بل حتى الأشخاص الذين نبذهم المجتمع بسب شذوذهم أو عدم قدرتهم على التكيف. الكاتبة النيوزلندية جان فريم Janet Frame  تطرقت وبشكل رائع في أعمالها، التي هي سيرة ذاتية في معظمها، إلى مثل هذه النزعة الوحشية في التاريخ الإنساني.

  • الحياة كمصدر:

من البديهي أن الكاتب والمخرج حازم كمال الدين قد تعاطى مع ماضيه على أنه مصدر رئيسي وأساسي في عمله. فالشخصية الرئيسية زمزم سجينة سياسية. في الحقيقة لا يمكن تصور أعمال حازم كمال الدين دون التطرق إلى السياسة ورجل السلطة الدكتاتور. السلطة العليا الحاضرة دائما والغير مرئية هي التي تحدد دائما مصير الفرد في حياته وموته وهي سلطة تتصرف كما يروق لها والتي تعرف أيضا الكثير من التفاصيل اليومية في حياة كل شخص. وتلك هي السلطة التي كان لابد له أن يعيش واقعها والتي أجبرته على ترك وطنه الأم.

ثيمة أخرى تتكرر في عمل حازم كمال الدين هي استخدام الناس لأساليب انتهازية في تعاملهم مع بعضهم، كذلك ثيمة الطب النفسي وسوء استخدامه والتي هي بلا شك ظاهرة عامة.

الألم والوحدة، الموت والوداع، الشوق والحب عناصر تتكرر في أعمال حازم كمال الدين لكنها لا تظهر إلا بشكل مفاجئ وغير مباشر. تتسلل أثناء الحوار. يتعامل المخرج مع هذه الأحاسيس بأسلوبه الخاص الذي سنتطرق له فيما بعد.

أخيرا موضوعة الحرب وهي مهمة جدا بالنسبة لحازم كمال الدين، فالحرب حاضرة دائما لا تنتهي يرتبط وجودها بوجود الإنسان على الأرض، والنفي أيضا، النفي والغربة وضرورة التغلب عليهما واللذان يشكلان في نفس الوقت جزءا من حياته يتطور مع تطور عمله.

والحدود: ليس في الصحراء من حدود واضحة لا يعرفها إلا قاطنو الصحراء. الحرب لا تعرف الحدود بل تعبرها، الحدود هي بداية النزاع أو نهايته، بالإمكان ترسيم الحدود أو إلغاؤها كوسيلة لتوسيع دائرة العنف أو التخلص منه. الحدود: حدود المنفى، الحدود البعيدة حد الاختفاء. حدود العنف والإرهاب ومن بدأه، وأين محيطه ومتى ينتهي وهل ينتهي؟ هل من وجود للحدود في الصحراء؟ كلها أشكال مختلفة للحدود يتعامل معها حازم كمال الدين ويحاول اكتشافها خاصة فيما يتعلق بحدود اللغة والفعل الحركي.

ب ـ الدراماتورجي

 

تفاعل الشرق والغرب:

لو تطرقنا إلى عملية بناء النص فلا يمكننا إهمال مشاركة إلزا هيب Ilse Heip  ، وارتباط ذلك بصورة المرأة التي تحظى باهتمام كبير لدى حازم كمال الدين. فعدد كبير من المبادئ التي يعتمد عليها في عمله والتي هي شرقية في طابعها مثل الحدس، العاطفة والحواس هي عناصر أنثوية، إنه يهدف إلى إبراز الأنوثة في مسرحه ومحاربة اضطهادها الذي مازال قائما في كثير من الثقافات. لقد أثبت العلم أن نصف الدماغ الأيسر هو المسؤول عن مثل هذه الوظائف أي الحواس والحدس وأن المرأة تستخدم النصف الأيسر أكثر من استخدامها للنصف الأيمن المسؤول عن وظائف أخرى منطقية، رياضية، حسابية وهي عناصر ذكرية أكثر منها أنثوية.

يحاول حازم كمال الدين أن يتعامل مع ما ذكرناه سابقا وبطريقته الخاصة وأن يبرز في أعماله تلك العناصر الأنثوية الثمينة وبالطريقة التي يعرفها هو جيدا، أي الشرقية. بالإضافة إلى أنه يرغب في ايجاد صوت أنثوي يساهم في رفع مكانة المرأة وحضورها الذي لابد له أن يوازي حضور الرجل.

أن مساهمة إلزا هيبIlse Heip  في خلق النص يفسح لها المجال في إعطاء العمل طابعا أنثويا أو بالأصح إبراز صوت المرأة أثناء العمل، أن تتحدث المرأة كامرأة.

في البداية قام حازم كمال الدين بكتابة النص باللغة العربية ومن ثم تمت ترجمته إلى اللغة الهولندية لتقوم إلزا هيب  Ilse Heip بمراجعته. ظل العمل على النص مستمرا،، كثيرا ما تمت إضافة شيء إلى النص أو حذف جزء منه عن طريق المؤلفين، وبذلك تم خلق نص برؤى وطبقات متعددة وخصوصا بحضور كلا العنصرين الشرقي والغربي المتمثلين بحازم كمال الدين وإلزا هيب Ilse Heip  وهي امرأة غربية في ثقافتها. هذه الطريقة في العمل أعطتها الفرصة في ترك بصماتها على النص.

كان اهتمام إلزا هيبIlse Heip  قد أنصب على خط الحدث أكثر منه على التركيبة النفسية للشخوص، عملت هي على الحكاية بينما عمل حازم كمال الدين على الحوار وتركيبة كل شخصية وصفاتها وكان من المؤكد أن أحدهما قد أثر على الآخر في خلق وحدة متجانسة للنص. كلاهما كان له دوره في خلق شيء من الطرافة في العمل لكن لابد من القول أن هذه الطرافة قد تلاشت بفعل المضمون التراجيدي جدا.

في النص هنالك أحداث وأسماء معينة تشير أما إلى أحداث وشخوص تاريخية حقيقية أو إلى عناصر ثقافية، ثم التلاعب والتغيير قليلا في مواقع معينة في تلك المعطيات الواقعية لتشكل تحديا لمن لديه إلمام بتاريخها وأصلها.

وهكذا توالدت فكرة توظيف عنصري الكليشيه والمحاكاة الساخرة في العمل. المحاكاة الساخرة كعنصر لبناء العمل، وكوسيلة لتضخيم الشخوص وجعل حالتهم مثيرة للاشمئزاز والقرف وبالتالي لإضعاف موقعهم، إشارة إلى عدمية الإنسان كفرد وإمكانية استبداله وكذلك إلى لا معقولية سياسة ابتزاز الإنسان المستمرة والتي يتم توظيفها من قبل رجل السلطة. المحاكاة الساخرة لكائن يظن أنه إنسان.

والكليشيه التي تطمر الحقيقة، يتم استخدامها في العمل بشكل يسمح للحقيقة أن تبرز من خلالها بشكل شفاف أو على الأقل هكذا كان القصد. ومن أجل ذلك تم الرجوع إلى حكمة العامة والتي ينظر إليها غالبا على أنها الصوت الناطق بالحق لأنها صوت الشعب. في رأيي لم يتجاوز توظيف عنصر الكليشيه كونه فكرة أريد لها الظهور في العمل، كان بالإمكان أن تتطور مع تطور الشخوص.

إذا نظرنا إلى عنصري الحوار وطريقة السرد في العمل، عنصرين يكمل أحدهما الآخر وليس بالإمكان الفصل بينهما، لابد لأحدهما من إقلاق حالة التوازن في الآخر، كالبناء والهدم، والمد والجزر ليشكلا تيارا قلقا متقلبا نجده دون شك في هذا العمل. إذ تظهر شخوص وتختفي أخرى وهكذا أيضا هو الحال مع الأحداث. ما هو مصدر هذه الحركة الدائمة؟ هل هو حازم، الشرق، الغرب أم هي عالمية.

يطمح حازم كمال الدين إلى تعرية الأشياء، فهو لا يملك القدرة على تحطيم بنايات ثابتة بيديه لكنه يملك الحق في تقرير مصير أعماله، إذ يختار لذلك أشكالا من العمل يمكنه تعريتها. تعيد التعرية خلق الأشياء القائمة وتسمح لمساحات جديدة بالظهور. وهذا هو حال المسرح. بالإمكان توثيق العمل المسرحي عن طريق الفيديو لكن هذا التوثيق لا يتجاوز كونه ظلا للواقع الحي.

أي عمل مسرحي لفرقة صحراء 93  لا ينتهي بإسدال الستارة، فالبحث عن عناصر بناءة جديدة يظل مستمرا عن طريق محاورة الجمهور مثلا، فكل عرض يختلف عن الآخر والرغبة في التعبير تظل مستمرة طيلة الجولة المسرحية.

في كل لحظة يمكن أن يتغير شكل العمل ويتخذ منعطفا مفاجئاً (كواحد من المعطيات الشرقية) حيث لا تخضع أسس المسرح لقوانين المنطق والتي لا تمثل بدورها دائما الصواب. يتم توظيف المنعطفات كوسيلة للتلاعب باللغة ومن ثم بالفعل الحركي، مزاجية اللغة المتقلبة والمتمثلة بالأسلوب المتنوع الذي يولد أثرا غريبا وسليما في الوقت ذاته، إضافة إلى لا خطية الزمن، كذلك الهدم والبناء في التعامل مع الشخوص والأحداث في العمل، ذلك كله يتم ربطه بدون شك بالفعل الحركي الذي يشكل بحد ذاته عالما مليئا بالقوانين. وهذا ما سيوسع مساحة انطباعات المشاهد وبالتالي يولد المشاعر العفوية.

القفزات الزمنية: شخوص وكائنات أسطورية تمتلك مفاتيح الزمان والمكان، تظهر في الوقت والمكان الذي تختاره وتمثل جزءا من شخص ما أو هو في حالة أخرى جزءا منها. وهي تظهر من أجل أن تبقى وأن كانت لها القدرة على أن تتلاشى من نفسها ولا يمكن الاستغناء عنها كخلفية كما لا يمكن الاستغناء عن الكورس في التراجيديا الإغريقية. شخوص وكائنات تخضع لقوانين الزمن والأشياء من حولها، تتغير هيئتها دون رغبة ولكنها تبدو في نفس الوقت وكأنها تملك الحق في تقرير مصيرها. لهذه الشخوص الأسطورية أثر على الواقع لكنه يظل محدودا تجاه تعنت وهيمنة الشر. الشر الذي تصنعه يد الإنسان والذي هو الإنسان بحد ذاته لكنه لا يستطيع السيطرة عليه. الزمن يعبث بالعمل المسرحي، الحاضر والماضي يبدوان جزرا، الشخوص تقفز من جزيرة إلى أخرى. لكن الماضي البعيد يقترب ويقفز متخطيا الحاضر. لو تخيلنا الزمن على أنه مادة لكان بإمكاننا تشبيهه ببيت عنكبوت رقيق قابل للمط، حيث لا يستقر العنكبوت دائما في وسطه، وخيوطه تمتد خارج حدود المرئي.

ملاحظات حول بناء النص :

يبدو لي أنه من الصعب على الفرد الغربي أن يتقبل العالم الفنطازي بوصفه عالما وحيدا وأقول من الصعب وليس من المستحيل. فعن طريق مضمون النص والإيحاءات الواضحة التي تشير إلى تطور القصة والشخوص يمكن أن تكون الفنطازيا عامل إثراء خاصا للعمل الفني، حتى وأن كان العمل الفني يعتمد في الأساس على الفنطازية. وهناك الكثير من الأمثلة وبالتأكيد على صعيد الفن التشكيلي )عالم الحلم في أعمال ديلفو Delvaux ، والواقع الآخر في أعمال دالي( Dali   وفي الآداب الواقعية السحرية والخيال العلمي في مجال الفيلم.

عالم الحكايات الخيالي نعرفه منذ زمن الطفولة والذي يتميز أحيانا بالعنف، والواقع الآخر معروف في كل ثقافات الشعوب لكن الاختلاف يكمن في كيفية التعامل معه والدور الذي يلعبه في الحياة اليومية لكننا لم نطلع على مضمون الحكايات الشرقية لذلك فمن الصعب علينا أن نتعرف عليها.

لا تحتاج في الغالب إلى كثير من الجهد لأحداث صدمة لدى الآخر أو أن تمس وترا حساسا. لكن ذلك بالطبع ليس الهدف الوحيد الذي تسعى فرقة صحراء 93 من أجله. فما الضير من تجزئة الغايات، وما الفائدة من إغراق المشاهد بسيل من المعلومات لا يستطيع استيعابها؟ أن موضوعة المرأة التي تهرب من الواقع لتعيش في عالم خيالي، لأن الواقع مرير ومؤلم وقد تم سلب حقها في أن تعيش حياة آمنة ولأنها لا تتوقع غير المزيد من العذاب النفسي والجسدي، هي موضوعة صادقة وغنية بحد ذاتها تكفي كأساس للعمل المسرحي. لكن وبدون شك كلما كثرت المؤثرات كلما سهل تطويع مادة العمل، خصوصا إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أن كثرة الموضوعات وتشعبها تشعبا يصل حد اللا معقول ليس غريبا حتى على الحياة الغربية.

من جهة أخرى أود أن أشير إلى أن الربط بين الموضوعة الرئيسية للعمل وموضوعات أخرى متشعبة يمكن أن يتم بطريقة أخرى. وأذكر هنا العمل الذي قدمه ريكس زفارتهRieks Swarte  والذي يدور حول حكايات ألف ليلة وليلة حيث تم توظيف عنصر الحكاية وروح اللعب عند الأطفال باستخدام الدمى وبأسلوب اللعب المميز لهذه الفرقة. لكن ذلك أسلوب غربي لجمهور غربي، وهكذا نكون قد ابتعدنا عن العمل الذي نتناوله هنا والذي قامت به مجموعة من ثقافات أخرى ومصادر أخرى.   

ملاحظات حول الدراماتورجي :

 

أورد هنا إضافة شخصية ستوضح الكثير:

في فيلم سلم يعقوب  Jacob’s Ladder للمخرج  Adrian Lyne يلعب  Tim Robbins دورJacob  الذي شارك في حرب فيتنام. في الفيلم يحلم Jacob ولا يحلم.

يتحول الزمن كما تحول الواقع إلى لعبة. إنه يعيش الحرب من جديد، يعيش حياة ثانية، حياة مليئة بحوادث رعب فوق طبيعية.Jacob  يعيش ويحب ولكنه في الواقع يموت في الحرب. من أو ما الذي أوصله إلى هذه الحالة؟ المخدرات، الألم، العقاقير الطبية أو هي تجربة سرية قامت بها الحكومة؟ هل أن حالة الحلم التي يعيشها تحدث في الماضي أم في الحاضر؟ هل أن الزمن مركب بهذا الشكل، هل نحيا أكثر مما نظن، وبالذات حينما نموت؟ ومن أو ماذا نأخذ معنا في تلك اللحظة؟

سلم يعقوب  مقتبس عن مقالة لجروتو فسكي نشرت في Theaterschrift  العدد الصادر في أيلول 1998

في الإنجيل يحلم يعقوب بسلم خلفه شاهق الارتفاع إذ تتراءى له قوى فعالة، ملائكة إذا أردت، وهي ترتقي السلم وتهبط . بإمكان الممثل أن يجد مثل هذه العلاقة الفوقية في جسده . فالمحور العمودي هو خط يربط أعضاء الجسد بالإدراك العقلي الخالص . ومن أجل أن لا يتحطم السلم، أي العلاقة، لابد من بناء كل جزء من أجزاء العمل بحرفة يدوية بارعة

ويقول لاحقا في نفس المقال:

عندما يؤدي الجسد وظائفه بشكل صحي وسليم .. فإنه يعمل كالقناة . ويكون بإمكان الممثل أن يرتفع في داخله بمستوى الطاقات العضوية الفعالة إلى طاقات سامية ويستطيع أيضا إذا حاول أن ينقل كتلته الجسدية إلى تلك الحالة السامية .

إذا ما قارنا بين هذين التأويلين للظاهرة نفسها فأننا نجد أن المخدرات في الفيلم تتخذ وظيفة السلم في الارتقاء بالجسد إلى حالة غير اعتيادية، ونجد الملائكة قد أصبحت في الفيلم شخوصا كابوسية تظهر في لحظات معينة في حياة بطل الفيلم الذي يتأرجح على السلم ذهابا وإيابا بين حياته ما قبل الحرب وحياته الجديدة  ما بعدها، تساعده قواه النفسية في تخطي اللحظات الحرجة في حياته عن طريق إعادة تشكيل جسده للحصول على قوى نفسية جديدة. وذلك لأنه يتعامل مع الجسد على أنه جوهر وجوده.

نهاية الفيلم التراجيدية الغير متوقعة تركت في داخلي أثرا كبيرا وأعطت الفيلم بأكمله معنى عميقا. إنه صراع الفرد ضد السلطة، الفرد الذي يخوض وحيدا صراعا لا نهاية له ضد سلطة صماء، السلطة التي تفضل اخفاء محاربيها القدامى لكي لا يسببوا لها الحرج. إنها ثيمة السلطة المطلقة التي لا تعرف الرحمة في تعاملها مع مواطنيها.


مدير فني لمحترف Woestijn 93 المسرحي سابقا
مدير جماعة زهرة الصبار للمسرح
مدرس مادة الاستشراق الاستغراب في المسرح. جامعة أنتورب وجامعة كنت.
مدرس مادة الارتجال الحركي في معهد مسرح الحركة   Antwerpse Mime Studio
تاريخ الولادة: 1. 7. 1954
مكان الولادة: الحلة